مجموعة مؤلفين ( اعداد : التسخيري )

46

رجالات التقريب

سبحانه ، وليس لنا أن نعتمد على ما يحسنه العقل أو يقبحه إذا ورد الشرع بتحسينه أو تقبيحه ، فينبغي تعليم النفوس السياسة بطرق الشرع لا بطرق العقول المجردة . . ولا عبرة بالنفوس القاصرة الذين حكَّموا عقولهم بما اكتسبوه من الخواطر التي ركنوا إليها تحسينا وتقبيحا ، وظنوا أنهم فازوا بالمقصود ، بتعدى الحدود « 1 » . وعن ذات الأصل - الإصلاح بالاسلام . . لا بالتمدن الغربي - قال جمال الدين الأفغاني : « إن الدين هو أم الأمم ، وبه فلاحها ، وفيه سر سعادتها ، وعليه مدارها . . وهو السبب المفرد لسعادة الإنسان . . وإنا معشر المسلمين إذا لم يؤسس نهوضنا وتمدننا على قواعد ديننا وقرآننا فلا خير لنا فيه ، ولا يمكن التخلص من وصمة انحطاطنا وتأخرنا إلا عن هذا الطريق ، وإن ما نراه اليوم من حالة ظاهرة حسنة ( من حيث الرقي والأخذ بأسباب التمدن ) هو عين التقهقهر والانحطاط ؛ لأننا في تمدننا هذا مقلدون للأمم الأوربية ، وهو تقليد يجرنا بطبيعته إلى الإعجاب بالأجانب والاستكانة لهم والرضا بسلطانهم علينا ، وبذلك تتحول صبغة الإسلام ، والتي من شأنها رفع راية السلطة والغَلَبِ ، إلى صبغة خمول وضعة واستئناس لحكم الأجنبي . ولقد ذهب المؤرخون إلى أن بداية الانحطاط في سلطة المسلمين كانت من بداية حرب الصليب ، والأليق أن يقال إن ابتداء ضعف المسلمين كان يوم ظهور الآراء الباطلة والعقائد النيشرية ( الدهرية ) في صورة الدين ، وسريان هذه السموم القاتلة في نفوس المسلمين . . فكان الخلل والهبوط من طرح أصول الدين ، ونبذها ظهريا . . والعلاج إنما يكون برجوع الأمة إلى قواعد دينها ، والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته . . ولا سبيل لليأس والقنوط فإن جراثيم الدين متأصلة في النفوس . . والقلوب مطمئنة إليه ، وفي زواياها نور خفي من محبته ، فلا يحتاج القائم بإحياء الأمة إلا إلى نفخة واحدة يسرى نَفسُها في جميع الأرواح لأقرب وقت . . فإذا قاموا ، وجعلوا أصول دينهم الحقة نصب أعينهم ، فلا يعجزهم أن يبلغوا منتهى الكمال الإنساني ، ومن طلب إصلاح الأمة بوسيلة سوى هذه ، فقد ركب بها شططا . . ولن يزيدها إلا نحسا ، ولن يكسبها إلا نغسا . . » « 2 » . وفي ذات المعنى - الإصلاح بالإسلام - يقول الإمام محمد عبده : « إن البذرة لا تنبت في أرض إلا إذا كان مزاج البذرة مما يتغذى من عناصر الأرض ، ويتنفس بهوائها ، وإلا ماتت البذرة ، بدون عيب على طبقة الأرض وجودتها ، ولا على البذرة وصحتها ، وإنما العيب على

--> ( 1 ) - ( الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي ) ج 2 ، ص 159 ، 160 ، 79 ، 32 ، 477 ، 386 ، 387 . دراسة وتحقيق د . محمد عمارة طبعة بيروت سنة 1973 م . ( 2 ) - ( الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ) ج 3 ، ص 109 ، 231 .